
ألفاظ الوقف على الأقارب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإنَّ معرفةَ دلالات الألفاظ وحقائقها الشرعية واللغوية والعرفية، وتمييزِ كلٍّ منها عن الأخرى مطلبٌ مهمٌّ، ويظهر جليًّا في كلام الشارع أهمية معرفة أعراف الناس ولغاتهم.
فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : «مَنَعَتِ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا وَقَفِيزَهَا، وَمَنَعَتِ الشَّأْمُ مُدْيَهَا وَدِينَارَهَا، وَمَنَعَتْ مِصْرُ إِرْدَبَّهَا وَدِينَارَهَا، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ»([1]). فتسمية النبي مكيال كل قوم باسمه المعروف عندهم، فيه دليل على معرفته بكلام الناس، وإن بعدت أقطارهم واختلفت عباراتهم([2]).
إن من أبواب الفقه الهامة المتعلقة بهذا الجانب: الوقف؛ وذلك لأن أوقاف المسلمين يجب تنفيذها وفقًا لمراد الواقفين؛ فإن الحاجة ماسة لبيان أحكام كثير من الألفاظ المتعلقة بهذا الباب.
هذا البحث يتكون من خمسة مطالب، وهو مبحثٌ مستَلٌّ من رسالتي في الماجستير المعنونة بـــ: “الأثر الفقهي لاختلاف الحقائق الشرعية واللغوية والعرفية في الأوقاف والأيمان والنذور”.
المطلب الأول: الوقف بلفظ (القرابة)
صورة المسألة: أن يقول الواقف: هذا وقف على قرابتي، فما المراد بهم؟
اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنَّ قرابة الرجل: أولاده، وأولاد أبيه، وأولاد جده، وأولاد جد أبيه، فلا يتجاوز أربعة آباء، وهذا مذهب الحنابلة([3]).
استدلوا لذلك بقوله تعالى: مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيل [الحشر: 7].
الشاهد قوله تعالى: وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ، ووجه الدلالة من الآية: أنَّ النبي أعطى أولاده وأولاد عبد المطلب وأولاد هاشم، ولم يعط من هو أبعد منهم، كبني عبد شمس ونوفل شيئًا، ولم يعط قرابة أمه، وهم بنو زهرة شيئًا، فيحمل كلام الموقف على ما حمل عليه كلام الله تعالى، ويُفَسَّرُ بما فَسَّره به النبي بفعله([4]).
قال القرطبي: “وسهم لذوي القربى: وهم بنو هاشم وبنو المطلب”([5]).
يمكن أن يناقش هذا الاستدلال: بأنَّ إعطاء النبي r لبعض قرابته لا يلزم منه حصر لفظ ذوي القربى فيهم، فكما أنَّ اليتامى والمساكين في الآية لا يلزم بل لا يمكن استيعابهم بالفيء، فكذلك ذو القربى، وعليه فلا يقاس على ذلك من وقف على قرابته، بل يحمل اللفظ على عمومه حتى يثبت ما يخصصه.
القول الثاني: أنَّه يدخل في قرابة الرجل كل من عُرِفَ بقرابته من جهة أبيه وجهة أمه من غير تقييد.
هذا مذهب المالكية([6])، والشافعية([7])، وروايةٌ عند الحنابلة([8])، واستثنى بعض الشافعية في رواية: الأب والأم، وولد الصلب([9]).
قولهم “من عُرِفَ بقرابته” ذكر بعضهم أنَّ ضابط ذلك: الأب الذي يشتهر انتساب الرجل إليه، كما ذكر ذلك صاحب الإنصاف حيث قال: “ومثاله: لو وقف على أقارب المصنف وهو عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر، رحمهم الله فالمستحقون: هم المنتسبون إلى قدامة؛ لأنه الأب الذي اشتهر انتساب المصنف إليه”([10]).
يمكن أن يُحَدَّدَ ذلك في زماننا باسم العائلة (فلان)، فكل من يكون نسبته إلى هذه العائلة فإنه يُعَدُّ من الأقارب، وما لا فلا.
استدلَّ أصحاب هذا القول لذلك بما يلي:
- دلالة الشرع في استعمال لفظ القرابة، ويدل لذلك
أ) عن أنس قال: “لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَرَى رَبَّنَا يَسْأَلُنَا مِنْ أَمْوَالِنَا، فَأُشْهِدُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنِّي قَدْ جَعَلْتُ أَرْضِي، بَيْرُحَاءَ([11]) لِلَّهِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: “اجْعَلْهَا فِي قَرَابَتِكَ” قَالَ: فَجَعَلَهَا فِي حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ”([12]).
وجه الدلالة من الحديث: أنَّ حسانَ بن ثابتٍ يلتقي مع أبي طلحة في الأب الثالث واسمه حرام، وأُبَيَّ بن كعب يلتقي معه في الأب السادس واسمه: عمرو([13])([14])، فدلَّ ذلك على أنَّ القرابة لا تنحصر بعددٍ معين من الآباء.
ب) عن أبي هريرة قال: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ حين أَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل: وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ، قَالَ: “يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا- اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شيئًا، يا بني مَنَافٍ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا”([15]).
الشاهد من الحديث: قوله: “يا معشر قريش، يا بني مناف، يا عباس، ويا صفية ويا فاطمة”.
وجه الدلالة: أنه سوى في ذلك بين عشيرته، فعمَّهُمْ أولًا، ثم خصَّ بعض البطون، ثم ذكر عمه العباس وعمته صفية وابنته، فدلَّ على دخول النساء في الأقارب وعلى دخول الفروع أيضًا([16]).
نوقش: بأنه يحتمل أن يكون أولًا خص اتباعًا بظاهر القرابة، ثم عَمَّ لما عنده من الدليل على التعميم؛ لكونه أُرسِلَ إلى الناس كافةً([17]).
2. دلالة العرف: وذلك أنَّ عرف الناس في اسم القرابة ينطلق على ما كان من الجهتين، فكما أنه ينطلق على القرابة من جهة الأب كالأعمام والعمات، فكذلك ينطلق على من كان من جهة الأم كالأخوال والخالات([18])
القول الثالث: أنَّه يدخل في قرابة الرجل كل من يناسبه إلى أقصى أبٍ له في الإسلام([19]) من قبل أبويه، سوى أبويه وولده لصلبه، وهذا مذهب الحنفية([20])
علَّلُوا لذلك: بأنَّ الاسم يتناول كل قريبٍ، إلا أنه يتعذر العمل بعمومه؛ إذ إنه لا يمكن أن يُدخَلَ فيه جميع أولاد آدم عليه السلام، فيجعل الضابط فيه: من يجمع الواقف وإياهم أقصى أبٍ في الإسلام؛ لأنه لما جاء الإسلام صارت المعرفة بالإسلام والشَّرَفُ به، فصار الجد المسلم هو النسب، ولا يعتبر من كان قبله([21]).
يناقش هذا التعليل من وجهين:
الأول: أنَّ تناولَ القرابة كُلَّ من يناسب الواقفَ إلى أقصى أبٍ في الإسلام كان يستقيم في زمان صاحبي أبي حنيفة؛ لأنَّ أقصى أبٍ في الإسلام كان قريبًا يصل إليه بثلاثة آباء أو أربعة آباء، فكان الموقَفُ عليهم معلومًا، فأما في زماننا فلا يستقيم؛ لأن عهد الإسلام قد طال، فيؤدي هذا إلى أن يقع الوقف على قومٍ مجهولين([22]).
الثاني: أنَّ هذا مخالفٌ للعرفِ، فإنَّ مما اشتُهِرَ وتعارف عليه الناس: أنه لا يوقف أحدٌ وقفًا وهو يريد بذلك أن يشمل جميع أقربائه ومن هم في نسبه إلى أقصى أبٍ له في الإسلام، وهو أصلًا لا يعرف من هم ولا يعرف عددهم، فكيف مع هذا يقصد بِرَّهم ونفعَهم؟!
ولعلَّ الراجح -والله أعلم- القول الثاني؛ وذلك لقوة ما استدلوا به ووجاهته، وضعف استدلال أصحاب الأقوال الأخرى بما ورد عليها من مناقشات.
المطلب الثاني: الوقف بلفظ (أقرب القرابة)
- صورة المسألة: أن يقول الواقف: هذا وقف على أقرب قرابتي، فمن يشمله الوقف؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أنَّ المراد بالأقرب منه: من تعلَّقَ بجانب الأب والأم جميعًا، فالـمُدْلي بالجهتين يُقَدَّمُ على المختص بإحداهما، ولا حقَّ للأبعد مع وجود من هو أقرب، وهذا مذهب الحنفية([23])، والشافعية([24])، والحنابلة([25]).
يمكن أن يُمثَّلَ بمثالٍ توضيحي، وهو أنه من وقف على أقرب أقاربه وله أخٌ شقيقٌ وأخٌ من أمٍّ فإنَّ الوقف ينصرف للأخ الشقيق، ومن كان له أخ شقيق وأخ من أبٍ فيقدم الشقيق على الذي من أبٍ، وهكذا، وإن استوى أكثر من فردٍ في الدرجة اشتركوا في الوقف.
احتجوا لذلك: بأنَّ هذا اللفظ -لفظ الأقرب- يشير إلى قرب الدرجة، كما يشير أيضًا إلى قوة القرابة، فهذا معلومٌ من معنى اللفظ، كما أنَّ هذا هو ما جرى عليه العرف([26]).
القول الثاني: أنَّ المراد بالأقرب منه: أقرب عصبة الواقف، وهذا مذهب المالكية([27]).
يمكن أن يُستَدَلَّ لهذا القول: بأنَّ العصبة هم المقدمون في الميراث على غيرهم، كما قال : “أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بقي فلأولى رجلٍ ذَكَرٍ”([28])، فكذلك ها هنا، ويمكن أن يناقش هذا بوجود الفارق بين المسألتين، فإنَّ الواقف إذا أوقف على أقرب قرابته منه، إنما يريد بذلك نفعه وصلته، وقد يريدُ بهذا أحدًا من ذوي رحمه، ولا يريد عصبته.لعلَّ الرَّاجِحَ -والله أعلم- القول الأول؛ وذلك لقوة ما احتجوا به.
المطلب الثالث: الوقف بلفظ (القَـــْومِ)
- صورة المسألة: أن يقول الواقف: هذا وقفٌ على قَوْمِي، فما المراد بهم؟
في المسألة فرعان:
- الفرع الأول: تعريف القَوْمِ لغةً:
القَوْمُ: الجماعة من الرجال، قال ابن فارس: “القاف والواو والميم أصلان صحيحان، يدل أحدهما على جماعة ناس، وربما استُعِيرَ في غيرهم، والآخر على انتصابٍ أو عَزْمٍ.
فالأول: القَوْم، يقولون: جمع امرئ، ولا يكون ذلك إلا للرجال، قال الله تعالى: لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ، ثم قال: وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآء([29])[الحجرات: 11].
قال القرطبي: “القَوْم: الجماعة الرجال دون النساء،… قال تعالى: وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ [الأعراف: 80] أراد الرجال دون النساء، وقد يقع القَوْمُ على الرجال والنساء، قال الله تعالى: إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ [نوح: 1]، وكذا كل نبي مرسل إلى النساء والرجال جميعًا”([30]).
الأصل أن يطلق ذلك على الرجال، ومع ذلك فقد يدخل النساء في ذلك تَبَعًا؛ لأنَّ قَوْمَ كلِّ نبيٍّ رجالٌ ونساءٌ([31])، والقَوْمُ يذكَّر ويؤنث، وقد ورد كلاهما في كتاب الله عز وجل، قال تعالى: وَكَذَّبَ بِهِۦ قَوۡمُكَ وَهُوَ ٱلۡحَقُّۚ [الأنعام: 66] فذَكَّرَ، وقال تعالى: كَذَّبَتۡ قَوۡمُ نُوحٍ ٱلۡمُرۡسَلِينَ [الشعراء: 105] فأنَّثَ، وقومُ كلِّ رجلٍ: شيعته وعشيرته([32]).
- الفرع الثاني: من يشمله لفظ (القَوْم):
اختلف العلماء في ذلك على قولين([33]): - القول الأول: أنَّ الوقفَ على القوم كالوقف على القرابة، وهذا مذهب الحنابلة([34]).
يمكن أن يحتج لذلك بما سبق من المعنى اللغوي للقوم، وأنهم شيعة الرجل وعشيرته، فيلحق لفظ القوم بلفظ القرابة.
القول الثاني: أنَّ المراد بالقوم: الرجال من العصبة دون النساء، وهذا مذهب المالكية([35]).
واستدلوا لذلك بما يلي:
- دلالة الشرع: وذلك في قوله تعالى: يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ[الحجرات: 11].
وجه الدلالة من الآية: أنَّ الله سبحانه وتعالى ذكر القوم، ثم ذكر بعد ذلك النساء على سبيل الاستقلال، فدلَّ ذلك على أنَّ النساءَ غيرُ داخلاتٍ في لفظ القوم. قال القرطبي: “القَوْمُ: الجماعة الرجال دون النساء، قال الله تعالى: لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡم ثم قال: وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآء”([36]).
- دلالة اللغة: وذلك أنَّ الأصل في لفظ القوم –كما سبق- أن يطلق ذلك على الرجال فقط دون النساء، وقد ورد لذلك شواهد، كقول زُهَيْرِ بن أبي سُلْمَى: وما أدري وسوف إخــــــالُ أدري أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أم نِســــاءُ؟([37])
يمكن أن يناقش هذا الاستدلال: بأن يقال بالتفريق بين ما إذا اجتمع لفظ القوم والنساء في سياقٍ واحدٍ وبين ما إذا افترقا؛ فإذا اجتمعا فيكون حينئذٍ لفظُ القَوْمِ مختصًّا بالرجال، ويكون اللفظان متغايرين، وأما إذا وردَ لفظُ القَوْم منفردًا فيشمل حينئذٍ الرِّجالَ والنِّساءَ جميعًا.
قول الواقف في هذه المسألة: (وقفت على قومي) يندرج ضمن الحالة الأولى، فلا يكون فيما استدلوا به حجة، ومما يؤيِّدُ ذلك أنَّ هذا مُستعَملٌ شرعًا ولغةً كما سبق، ففي هذا جمعٌ بين الآيات الواردة كلها.
الراجح:
لعلَّ الراجح -والله أعلم- القول الأول: أنَّ الوقف على القوم كالوقف على القرابة، وأنَّ النساءَ داخلاتٌ فيه؛ وذلك لقوة ما استدلوا به، وبه تجتمع الأدلة.
المطلب الرَّابع: الوقف بلفظ (الرَّحِــمِ)
- صورة المسألة: أن يقول الواقف: هذا وقفٌ على رَحِمِي، فما المراد بهم؟
- المراد بالرَّحِمِ: اتفق الفقهاء رحمهم الله من الحنفية([38]) والمالكية([39]) والشافعية([40]) والحنابلة([41]) على أنَّ الوقفَ على الرَّحِمِ كالوقف على القرابة، وأنَّه يدخل فيه من كان من جهة الأب والأم.
لكن وكما سبق، فإنَّ الحنفية يدخلون في القرابة كل أقرباء الواقف إلى أقصى أبٍ له في الإسلام، بينما الباقون فإنهم يحددون ذلك بمن عُرِفَ واشتُهِرَ انتساب الواقف إليه.
مثال توضيحي: لعلي أعود إلى نفس المثال الذي سبق في مبحث القرابة ليكون أوضح، فيقال: لو وُقِفَ على رَحِمِ صاحب المقنع، وهو عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر، فإنَّ نصرًا لا يدخل في الوقف عند الجمهور؛ وذلك لأن الذي اشتُهِرَ انتسابُ المصنِّفِ إليه هو قدامة، فيقال له: ابنُ قُدامَةٍ، بينما نصرٌ -وكذلك مقدامٌ- يدخلون في الوقف عند الحنفية.
لم أقِفْ لهم على دليلٍ لإلحاق لفظ الرَّحِمِ بالقرابة، ولكن يمكن أن يُستدَلَّ لذلك بما يلي:
- دلالة الشرع؛ فإنَّ الأصل في استعمال الشرع للفظ الرحم أنه للقرابة مطلقًا، وليس خاصًّا بمن يرث أو لا يرث، واستعمال لفظ الرَّحِم على من ليس بعصبة خاصٌّ عند الفرضيين، ومما جاء في استعمال لفظ الرَّحِمِ في الشرع:
أ) قوله تعالى: وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ [الأنفال: 75]، والشاهد من الآية قوله: وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ.
قال ابن كثير: ” وليس المرادُ بقوله: (وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ) خصوصيةَ ما يطلقه علماءُ الفرائِضِ على القرابة الذين لا فرض لهم ولا هم عصبة، بل يدلون بوارث، كالخالة، والخال، والعمة، وأولاد البنات، وأولاد الأخوات، ونحوهم، كما قد يزعمه بعضهم ويحتجُّ بالآية، ويعتقد ذلك صريحًا في المسألة، بل الحقُّ أنَّ الآيةَ عامَّةٌ تشملُ جميعَ القراباتِ”([42]).
ب) قوله: “مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ، فَهُوَ حُرٌّ”([43]).
الشاهد من الحديث قوله: “ذا رَحِمٍ”، فــ “ذو الرَّحِمِ هم الأقارب، ويقع على كل من يجمع بينك وبينه نسبٌ”([44]).
2. دلالة اللغة للفظ (الرَّحِم)، فإنَّ الرَّحِمَ لغةً: علاقة القرابة([45])، فلذلك سوَّوا بين اللفظين: لفظ القرابة ولفظ الرَّحِم، وجعلوا مدلولهما واحدًا.
المطلب الخامس: الوقف بلفظ (النَّسَابَة)
- صورة المسألة: أن يقول الواقف: هذا وقفٌ على أَنْسَابِي أو نُسَبَائِي، فمن يدخل فيهم؟
- ذكر الخلاف في المسألة:
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أنَّه يدخل في ذلك من ينتسب إلى الواقف من أولاده الذين يرجعون إليه في نسبهم، دون من علا من آباء الواقف الذي يرجع إليهم في نسبه، وهذا مذهب الشافعية([46]).
علَّلوا لذلك: بأنَّ الواقف أضاف نسبهم إليه، وذلك في قوله: (أنسابي)، ونسب الآباء لا يرجع إلى الولد (الواقف)([47]).
القول الثاني: أنَّ الوقفَ على الأنساب كالوقف على القرابة، وهذا مذهب الحنفية([48])، والحنابلة([49]).يمكن أن يُحتَجَّ لذلك: بدلالة اللغة للفظ (النَّسب)، فإنَّ النَّسبَ لغةً: القرابة، يقال: فلانٌ نسيبُ فلانٍ، أي: قريبه([50])، فلذلك سوَّوا بين اللفظين: لفظ القرابة ولفظ الأنساب، وجعلوا مدلولهما واحدًا.
الترجيح:
بالنظر إلى القولين السابقين فإنه لا يترجَّحُ لي شيءٌ منهما؛ وذلك لأنَّ لفظ النُّسَبَاء ولفظ النسيب في عُرْفِ زماننا اشتهر إطلاقه على الصِّهْر، فيقولون: هذا نسيبُ فلانٍ، أي: صِهرُهُ، مع أنه لا يعرف في أصل اللغة إطلاق لفظ النسب على المصاهرة، وقد جاء في معجم الصواب اللغوي: “نَسِيب، الجذر: ن س ب، مثال: إنه نسيب فلانٍ، المعنى: صِهْرُهُ، الرأي: مرفوضة، السبب: لأنها لم ترد في المعاجم بهذا المعنى، الصواب والرتبة: إِنَّه صِهْرُ فلانٍ”([51]).
بالرجوع إلى أصل استعمال النَّسَبِ في اللغة نجد أنه يطلق على اتِّصَالِ شيءٍ بشيءٍ، قال ابن فارس: “النون والسين والباء كلمة واحدة قياسها اتِّصَالُ شيءٍ بشيءٍ، منه النَّسَب؛ سمي لاتِّصاله وللاتِّصال به”([52])، ويُستعمَلُ النَّسَبُ في مطلق الوصلة بالقرابة، فيقال: بينهما نسب، أي قرابة([53]).
بالنظر إلى علاقة النِّكَاح فإنه ينطبق عليها لفظ النسب من وجهٍ على النحو الذي ذكره ابن فارس، فإنَّ النكاح حقيقته اتِّصالٌ بين شخصين، وارتباطٌ بين أسرتين، فيصح أن يقال لعلاقة النكاح نسبٌ من هذا الوجه.
قد سوَّغَ مجمع اللغة العربية المصري هذا الاستعمال المعاصر للنسيب بمعنى الصِّهْر، على أنه من باب التوسع والتعميم، وذلك في الجلسة الحادية عشرة من مؤتمر الدورة السابعة والأربعين، والجلسة الحادية والثلاثين من مجلس المجمع؛ حيث إنَّ لفظ النسيب شاعَ استعماله في معنى المصاهرة، وقلَّ استعماله في قرابة الأبوة أو الأمومة([54])، ولذلك فقد يقالُ في هذه المسألة بأنَّ المراد بالأنسباء: الأصهار؛ استنادًا إلى ما سبق من دلالة اللغة ودلالة العرف.
المراجع
- رواه مسلم في صحيحه، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب ح(2896).
- ينظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي (7/230).
- ينظر: المغني (8/529)، الإنصاف (7/85).
- ينظر: المغني (8/529).
- الجامع لأحكام القرآن (18/12).
- ينظر: شرح مختصر خليل للخرشي (7/97)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (4/94).
- ينظر: الحاوي الكبير (8/304)، مغني المحتاج (4/100).
- ينظر: المغني (8/529)، الإنصاف (7/85).
- ينظر: منهاج الطالبين (ص192)، روضة الطالبين (6/173).
- الإنصاف (7/85).
- هذه اللفظة كثيرًا ما تختلف ألفاظ المحدثين فيها، فيقولون بيرحاء بفتح الباء وكسرها، وبفتح الراء وضمها والمد فيهما، وبفتحهما والقصر، وهي أرضٌ لأبي طلحة، وقيل: هو موضع بقرب المسجد بالمدينة يعرف بقصر بني جديلة. ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (1/114)، معجم البلدان لياقوت الحموي (1/524).
- رواه البخاري، كتاب الوصايا، بَاب مَنْ تَصَدَّقَ إِلَى وَكِيلِهِ، ثُمَّ رَدَّ الوكيل إليه، ح(2607)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد والوالدين، ولو كانوا مشركين، ح(998).
- ينظر: فتح الباري لابن حجر (5/381).
- حسان اسمه: حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد بن عديِّ بن عمرو بن مالك، وأما أبو طلحة فهو: زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيدٍ، وأما أُبَي فهو: أُبَي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك. ينظر: الإصابة في تمييز الصحابة (2/55)، (2/502)، (1/180).
- أخرجه البخاري، كتاب الوصايا، بَاب: هَلْ يَدْخُلُ النِّسَاءُ وَالْوَلَدُ فِي الْأَقَارِبِ؟، ح(2602)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب في قوله تعالى: وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ، ح(351).
- ينظر: فتح الباري لابن حجر (5/382)، الحاوي الكبير (8/304).
- ينظر: فتح الباري لابن حجر (5/383).
- ينظر: الحاوي الكبير (8/303).
- “كل من يناسبه”: مفاعلة من النسب، أي: كل من يشاركه في نسبه، “إلى أقصى أبٍ في الإسلام”: الذي أدرك الإسلام أسلم أو لم يسلم. ينظر: حاشية ابن عابدين 4/472.
- ينظر: فتح القدير (6/246)، الدر المختار شرح تنوير الأبصار (ص384)، حاشية ابن عابدين (4/472).
- ينظر: المبسوط (27/156)، بدائع الصنائع (7/349).
- ينظر: المراجع السابقة.
- ينظر: الإسعاف (ص112).
- ينظر: الحاوي الكبير (8/305)، نهاية المطلب (11/303)، فتاوى السبكي (2/11).
- ينظر: المبدع (5/261)، الإنصاف (7/244)، ولكن ينبغي التنبه إلى أنَّ هذا القول عند الحنابلة مخُرَّجٌ على القول بأنَّ لفظ القرابة يشمل من كان من جهة الأم ولا يقتصر على قرابة الأب، وأما على الرواية الأخرى بأن قرابة الرجل ما كان من جهة أبيه فقط، فلا تدخل الأم ولا ما كان من جهتها كالأخ من أم ونحوه.
- ينظر: نهاية المطلب (11/303).
- ينظر: الذخيرة للقرافي (6/349)، مواهب الجليل (6/29)، منح الجليل (8/138-139)، والمسألة عند المالكية يذكرونها عند مسألة: إذا انقطع الوقف فإنه يرجع إلى الأقرب من الواقف.
- رواه البخاري، كتاب الفرائض، باب ميراث الجد مع الأب والإخوة، ح(6356) (6/2478)، ومسلم، كتاب الفرائض، باب ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر، ح(1615) (3/1233).
- مقاييس اللغة (5/43) مادة (قوم).
- الجامع لأحكام القرآن (1/400).
- ينظر: الصحاح (5/2016).
- ينظر: العين (5/231)، الصحاح (5/2016).
- لم أقِفْ على كلامٍ في المسألة عند الحنفية والشافعية.
- ينظر: الإنصاف (16/496)، معونة أولي النهى (7/241)، وقد سبق بيان المراد بالقرابة في المطلب الأول من هذا المبحث.
- ينظر: عقد الجواهر الثمينة (3/971)، الذخيرة (6/357)، منح الجليل (8/164).
- الجامع لأحكام القرآن (1/400).
- ديوان زهير، حرف الألف (ص13).
- ينظر: بدائع الصنائع (7/348)، الدر المختار شرح تنوير الأبصار (ص384)، حاشية ابن عابدين (4/472).
- ينظر: النوادر والزيادات (11/536)، المختصر الفقهي لابن عرفة (10/445).
- ينظر: الحاوي الكبير (8/302)، روضة الطالبين (6/174). وقد سبق بيان المراد بالقرابة في المطلب الأول من هذا المبحث.
- ينظر: المغني (8/535)، الإنصاف (16/499)، معونة أولي النهى (7/242)، وهذا على الرواية الثانية للحنابلة في المراد بالقرابة وأنها تشمل كل من عُرِفَ بقرابته من جهة أبيه وجهة أمه من غير تقييد.
- ينظر: تفسير ابن كثير (4/99).
- رواه أبو داود في سننه، أبواب العتق، باب من ملك ذا رحم محرم فهو حر، ح(2524) (3/565)، والترمذي في جامعه، أبواب الأحكام عن رسول الله r، باب ما جاء فيمن ملك ذا رحم محرم، ح(1365) (3/39)، وفي إسناده ضعف؛ وذلك لأنَّ الحسن البصري رواه بالعنعنة عن سمرة.
- النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (2/210).
- ينظر: الصِّحاح (5/1929)، مقاييس اللغة (2/498) مادة (رَحِمَ).
- ينظر: الحاوي الكبير (8/305)، بحر المذهب للروياني (8/112)، وقد ذكروا هذه المسألة في باب الوصايا.
- ينظر: الحاوي الكبير (8/305).
- ينظر: بدائع الصنائع (7/348)، حاشية ابن عابدين (4/472).
- ينظر: الإنصاف (16/496)، معونة أولي النهى (7/241)، وقد سبق بيان المراد بالقرابة في المطلب الأول من هذا المبحث.
- ينظر: العين (7/271)، الصحاح (1/224)، تاج العروس (4/260).
- معجم الصواب اللغوي (1/757).
- مقاييس اللغة (5/423).
- ينظر: المصباح المنير (2/602).
- ينظر: الألفاظ والأساليب (2/249-251) القرارات التي صدرت في الدورات من الثانية والأربعين إلى التاسعة والأربعين، وقد صدر من الكتاب ستة أجزاء حتى الآن، مشتملًا على القرارات التي صدرت إلى الدورة السابعة والثمانين.